ثانوية ابن خلدون التأهيلية ببوزنيقة
المنتدى في خدمة جميع الأساتذة و الطلبة

هل أصبح الكتاب متجاوزا؟ - لوسيان سفيز(1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هل أصبح الكتاب متجاوزا؟ - لوسيان سفيز(1)

مُساهمة من طرف Salah في 18/8/2009, 16:51

هل أصبح الكتاب متجاوزا؟ - لوسيان سفيز - ترجمة: لحسن بوتكلاي

هل ما زال العدد ثلاثة يمارس سلطته السحرية على العقول المعاصرة؟ من الواجب أن نلاحظ أن التصنيفات العامة القاسية التي تقسم التاريخ إلى ثلاثة مراحل (وتكون الأخيرة أفضلها بطبيعة الحال) ما زالت تلقى حظوة لدى الأشخاص المتسرعين المتلهفين إلى إدخالهم في العهد الفردوسي الجديد. وهذه المراحل حسب هذه الترسيمة الجاهزة هي: مجتمع شفوي (قديم لأنه بدون تقنية، إذن بدون تطور ولا تاريخ ولا مساواة)، متبوع بمجتمع الكتاب وهو في ذروة التطور العلمي والمساواة والحرية بفضل الطباعة، ثم مجتمع التواصل الإلكتروني.

من البديهي بالنسبة لمن له ولو إلمام قليل بتاريخ الأفكار أو الحضارات أو علم الاجتماع أو الانثربولوجيا، أن مثل هذا التصور مضلل في محتواه، وفي الطريقة التي تسنده والمرتكزة على مسح الألواح العريضة، وتسجيل الابتكارات العلمية والتقنية وتطور العادات الاجتماعية والسياسية بدون نظام مع تأسيس علاقة السبب بالنتيجة فيما بينها. إن دور ووظيفة الكتاب والقراءة ومن ثم الكتابة لا يمكن مقاربتهما بمثل هذه الطريقة العامة المتسرعة، لأن أنواعا عديدة لتوصيل المعرفة تتعايش في كل تلك المراحل، بما فيها مرحلتنا. لذا يلزم ملاحظة الصلات التي تتأسس بين التقنيات الجديدة والتغيرات الملاحظة في المجتمع، صلات تمنع تأسيس سببية أحادية الجانب بين التقنية والمجتمع.

تمر العلاقة بين الشفهي والمكتوب عبر مفهوم للقراءة غير ثابت المعنى. ففي اليونان القديمة كانت القراءة شفهية، وتتم بصوت عال (مع إبراز الحروف والمقاطع) أمام مستمعين، قبل أن تكون صامتة، أي فردية. ولحظة الانتقال من الصوت العالي الذي يستدعي نقدا ومناقشة في فضاء "عمومي" إلى القراءة الصامتة التي لا يمكن أن تصبح عمومية إلا بعد وقت متأخر لحظة دالة على تغير العادات، وعلى تعريف مصطلحات "عمومي" و"خصوصي" و"مجموعة" و"فرد"، وعلى طرق اكتساب المعرفة.

إننا نميز في اليونان القديمة، نموذج ديمقراطيتنا، بين مواقف واضحة التباين، بين معرفة شفهية ومعرفة تتطلب الكتابة كأداة. فكثير من نصوص أفلاطون تمجد تفوق المعرفة اللامكتوبة (النص المكتوب أداة للذاكرة تسبب الكسل العقلي)، بالإضافة إلى أن القارئ يوجد في موقف التبعية إذ يخضع للمكتوب الذي يقرؤه حتى يصبح عبدا للكاتب. فالعلاقة بين القارئ والكاتب هي نفس العلاقة التي تربط التلميذ الخاضع بمعلمه. وتسميه اللغة الإغريقية دون مواربة "Katapugan" أي لوطي.

فالكاتب يوجد بالنسبة للآخر في موقع قوة، في حين أن الكتابة بالنسبة له هي فعل استبدال، ونسخة رديئة للذاكرة. ومن هنا جاءت الصفة المستخفة التي نعت بها أفلاطون أرسطو: "إنه قراء". هذه الصفة التي تبدي ثناء تبطن في الحقيقة تنقيصا من قيمة أرسطو سنكتشفه فيما
إن الفضاء العمومي الذي تأسس إذن هو الفضاء الذي تواجهت فيه الحجج في مناقشة صادقة في موضوع خطاب شفهي أو نص مقروء بصوت عال (مثل فيدر وهي تنتهي من قراءة نص لزياس سيدها في حوار لأفلاطون يحمل اسمها). والمناقشة يمكن أن تكون شفهية أو مكتوبة إثر النقد التي يوجهها الكتاب الفلاسفة لأسلافهم أو معاصريهم. وتدوينها في الحوارات (أفلاطون) واختفاؤها في الكوميديات (أرسطوفان) يبينان الصلة المركبة التي تنعقد بين الكتاب والكلمة والمناقشة النقدية.

هكذا تتراءى أنماط القراءة متنوعة وملموسة في نفس الوقت، ومرتبطة بالوضع الاجتماعي والمهنة والنظام السياسي والديني. فإذا كان الكتاب اللاييكي باعثا على مناقشات عمومية، فإن الجهاز الديني يفرض على شراحه الخاضعين قراءة حرفية للكتاب. بالقراءة الصامتة أو الهامسة مع القراءة الحرفية ينغلق الفضاء العمومي، ولا يستجيب لمتطلبات فضاء المناقشات النقدية.

في القرون الوسطى لم يكن مفسر النصوص المقدسة أو نصوص أرسطو "القارئ" يحيد قيد أنملة عن المسار المرسوم. ويلزم القيام بثورة ضد مثل هذه القراءة الخاضعة، والاستعانة بمفهوم التأويل لاسترداد الفضاء العمومي. ولدعم هذا التحرير للقارئ، موازاة مع حياة جديدة للنصوص، نستشهد فقط بسبينوزا: "ينبغي أن يستطيع كل واحد الحفاظ على حرية حكمه وقدرته على تأويل اعتقاده كما يفهمه"، "الحرية الفردية يمكن وينبغي أيضا أن تعطى للكل من طرف المجموعة". بهذه الكيفية يرفض سبينوزا كل خضوع للنصوص واعتقاد بالخرافات والتنبؤات إلخ.

إن التأويل قراءة نقدية، قراءة ثانية، بل كما أراده بارت إعادة كتابة. وبهذا الوضع يمكن أن يكون لا نهائيا. فكل نص يستدعي تأويلا يخضع لتأويل آخر بدوره. فللكتاب امتداد غير محدود تقريبا عبر مجموع القراء/المؤولين المختلفين كليا عن "katapugon"، لأن التأويل عنصر حاسم، حر وناقد في الفضاء العمومي. والمشكل لا يختزل في قدرات المؤول، لكن ينبغي أن يوجد دوما الفضاء العمومي، فضاء عصر الأنوار. والمسألة ليست بسيطة: إذا كان القارئ/المؤول موجودا دائما باعتباره عنصرا ديناميكيا، فإن الفضاء العمومي قد تغير وأصبح مجزأ إلى أقصى حد، بل منحلا.

كل شيء هو تعليق دائما. فليس هناك نص أصلي مطلق يمكن أن يصبح الضامن الحاسم الحامل للحقيقة التي ينبغي أن يرفع عنها الحجاب. فالنبي موسى بعد كتابته للوصايا العشر بوحي من الله، استشاط غضبا من هارون ومن العجل الذهبي فرمى الألواح التي تتضمنها، وتكسرت إلى آلاف الأجزاء التي تعذر جمعها. فكان من المفروض إذن على موسى أن ينسخها في ألواح جديدة. وهي هذا النص الذي نتوفر عليه اليوم. والوصف الذي يقدمه عن ذلك العهد القديم مكتنز بالمعنى: لن نتمكن أبدا من معرفة الأصل بوجه آخر إلا بتجميع وبناء وتعليق.
إذا كانت فكرة بزوغ مطلق شبه إلهي، فكرة الجدة الجذرية، تمثل جزءا من معتقدات القرن العشرين –الشيوعية أو الفاشية- فهي من الآن قد وصلت إلى منتهاها. فالأنبياء الوحيدون الذين تبقوا لنا هم التكنولوجيون الذين يحتفلون بكل جديد في ميدان الإعلام. في الستينيات كانت التلفزة هي التي غيرت وجه العالم، وفي السبعينات كان هو الفيزيوفون، وفي الثمانينيات كان هو الفيديو، أما في التسعينيات فعمت الأنترنت. فكل عقد يوسم بصيحات الخلاص هاته: السعادة تتحقق والمساواة والتناغم الاجتماعي والتوافق التام بين كل سكان المعمور. التقنية تؤدي دورها كاملا، وتسوي مباشرة المشاكل الاجتماعية كأي علاقات بين أفراد.
avatar
Salah
مدير المنتدى
مدير المنتدى

ذكر

عدد المساهمات : 496
تاريخ التسجيل : 17/08/2009
العمر : 63

http://afaqbouz.societyforum.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى