ثانوية ابن خلدون التأهيلية ببوزنيقة
المنتدى في خدمة جميع الأساتذة و الطلبة

مفهوم الشخص

اذهب الى الأسفل

مفهوم الشخص

مُساهمة من طرف Salah في 29/10/2009, 17:08

مفهوم الشخص


تمهيد


يحيل مفهوم الشخص في التمثل العامي إلى معاني البروز والظهور،أو المكانة الاجتماعية،الاقتصادية أو السياسية...وهذا المعنى نجده في لسان العرب لابن منظور: "رجل شخيص إذا كان سيدا ..." وتشير كلمة" Persona " اللاتينية إلى القناع الذي يضعه الممثل على خشبة المسرح للعب أو تشخيص دور معين...أما "لالاند" فميز في معجمه الفلسفي بين الشخص الطبيعي من حيث هو جسم ومظهر،والشخص المعنوي من حيث هو ذات واعية،والشخص القانوني من حيث أن له حقوقا وعليه واجبات.

يبدو إذن،أن مفهوم الشخص يحمل أكثر من دلالة؛ وهو ما يجعله يطرح صعوبة وتعقيدا ،فيما يتعلق بتحديد هويته،طبيعتها ومتجلياتها،قيمته، أسسها ومقوماتها، وتموقعه في إطار وضعه البشري الذي يسيجه بجملة من الإكراهات النفسية والاجتماعية، قد تفقده هويته وقيمته وحريته.

فما الشخص؟ ومن أين يستمد هويته وقيمته؟وهل هو ذات حرة أم كيان خاضع لإكراهات نفسية واجتماعية قد تتجاوز إرادته فتفقده هويته وقيمته وحريته؟ وما السبيل لتجاوز هذه الشروط و الإكراهات لكي يحقق الشخص هويته ويستعيد قيمته و يمارس حريته ؟

ـ الشخص والهوية


تعود الإرهاصات الأولى لإشكالية الهوية ، إلى الفلسفة اليونانية، فبالعودة إلى قولة سقراط "اعرف نفسك بنفسك "يتبين أن ما يميز الشخص هو قدرته على تكوين معرفة حول ذاته وتصرفاته وسلوكه رغم التغيرات المختلفة التي يمر بها في مسيرة حياته. فما الشخص؟ ومن أين يستمد هويته؟ هل يستمدها من بعده الفكري أم من بعده الحسي أم من بعده الروحي ؟
يؤكد الفيلسوف العقلاني "رونيه ديكارت"(1596ـ 1650) على أن الفكر هو ما يمثل هوية الشخص، فالتفكير خاصية ملازمة للذات من خلال ممارسة جملة من العمليات الذهنية ، مثل الشك و النفي والإثبات... وهي عمليات لا تنفصل عنها بل إنها دليل على وجودها الوجود اليقيني الذي لا يطاله الشك، وهذا ما نجد له صدى في عبارة الكوجيطو الشهيرة " أنا أفكر إذن أنا موجود " ومتى ما انقطعت الذات عن التفكير انقطعت عن الوجود . وعلى خلاف ديكارت يرى الفيلسوف التجريبي "جون لوك"(1632ـ 1704) أن التفكير وإن كان يجسد هوية الشخص، فإنه لا يخرج عن إطار الإحساس، فهو حصيلة احتكاك الذات بمحيطها الخارجي عن طريق الحواس (البصر، السمع، الذوق...) وبفضل الذاكرة يمتد الشعور بالهوية الشخصية رغم اختلاف الأمكنة والأزمنة. يقول "جون لوك" : " فالذات الموجودة الآن في الحاضر هي نفسها التي كانت في الماضي ، وهذا الفعل الماضي قد أنجز من طرف الذات نفسها التي تقوم باستحضاره في الذهن " .
إذا كانت نزعة "ديكارت" العقلانية ، قد أرجعت الهوية الشخصية إلى التفكير المجرد؛ وإذا كانت نزعة "جون لوك" التجريبية ، قد رأت في الفكر بما هو خبرات حسية والذاكرة ما يمثل هذه الهوية . فإن شخصانية "إيمانويل مونيي"(1905ـ 1950) ترفض اختزال الشخص في بعد واحد من أبعاد وجوده المتعددة ، فهو واقع كلي وشمولي لا يقبل التجزئ أو التصنيف في إطار انتماء طبقي أو سياسي أو ثقافي ... لأنه ليس موضوعا ، إنه بنيان روحي داخلي لا يدركه إلا الشخص ذاته .

تأسيسا على ما سبق، يتضح أن المواقف الفلسفية، تروم تحديد هوية الشخص بالنظر إليه كذات مفكرة.غير أنها تختلف في منظورها لطبيعة هذا الفكر ، فقد حصره "ديكارت" في الفكر المجرد، بينما ربطه "جون لوك" بالتجربة الحسية و الذاكرة ، في حين اعتبرته شخصانية "مونيي" روحا داخلية . وإذا كان من الصعب الإجماع حول معيار محدد للهوية الشخصية ؛ فإن ذلك يعود إلى الطبيعة المركبة للشخص، إذ لا يمكن الاقتصار على نعته بالذات المفكرة فحسب، بل إنه كائن حقوقي وأخلاقي أيضا ....

الشخص بوصفه قيمة
خلصنا من خلال النقاش السابق إلى أن هوية الشخص تقوم على استحضار مرجعيات متعددة و متداخلة ،لتحديد أسسها وفهمها ،لكن يبقى القاسم المشترك بين الفلاسفة ،هو أن الشخص ذات مفكرة ،عاقلة ،واعية قوامها الأنا كيفما كانت طبيعة وأسس بنائه وتكوينه ( التفكير/ العقل / الشعور / الذاكرة ...) .إلا أن قيمته تقترن بأبعاده الأخلاقية و الحقوقية ، فما الذي يؤسس البعد القيمي الأخلاقي للشخص؟ وبمعنى آخر ، من أين يستمد الشخص قيمته ؟ هل من كونه كائنا عاقلا أم من كونه كائنا أخلاقيا يسلك وفق قيم محددة؟
في سياق عرض نظريته للعدالة كإنصاف،يرى "جون راولز"(1921ـ 2002) أن قيمة الشخص تتأسس على كفاءاته العقلية والأخلاقية ، و المشاركة في الحياة الاجتماعية والتعاون مع الآخرين أفرادا كانوا أو جماعات وهيئات ؛ من منطلق أن المجتمع نظام للتعاون المنصف؛ فلا يمكن الحديث عن قيمة الشخص إلا إذا تبين بأنه كائن مفكر وكائن أخلاقي يروم العدل والخير والالتزام والمسؤولية. وفي ذات السياق ،يذهب" إيمانويل كانط" (1724ـ 1804) إلى أن الشخص لا يكتسي قيمته من عقله المجرد ، بل من التصرف وفق ما يمليه عليه عقله الأخلاقي العملي ، وٌيلزم احترامه ومعاملته كغاية في ذاته لا مجرد وسيلة ، عملا بالمبدأ الأخلاقي الأسمى ومفاده: "تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك ، كما في شخص غيرك دائما وأبدا ، كغاية وليس مجرد وسيلة" أي تصرف مع الآخرين كما تتصرف مع ذاتك ؛وهذا ما يمنح الشخص قيمة مطلقة ويكسبه احتراما لذاته ويلزم الآخرين باحترامه ، بأن يحافظ على كرامته، وأن يعتبر الآخر غاية لا مجرد وسيلة ، يسري عليه قانون العرض والطلب .أما التصور الهيجلي فينطلق من النظر إلى الشخص ، كقيمة أخلاقية بالأساس ؛ لا يمكنها أن تتحقق إلا بانخراطه داخل حياة المجموع، وتتجلى قيمة الأشخاص في امتثالهم لروح شعوبهم وتجسيدهم لهذه الروح . وهذا يقتضي من الشخص العمل على تحقيق بعده الأخلاقي وامتثاله للواجب ووعيه بالسلوك الخير الممثل للقانون ، والآخر المنافي له .
ومجمل القول، أن الخطاب الفلسفي ينظر إلى الشخص بما هو ذات عاقلة ومسؤولة ، تستوجب الاحترام والمعاملة بوصفها غاية لا مجرد وسيلة ، كما أن قيمته لا تتحدد في مجال الوجود الفردي بل في انفتاحه على الآخرين في إطار أشكال من التضامن الإنساني القائم على التعاون والالتزام بالمبادئ الأخلاقية ...
الشخص بين الضرورة والحرية
لقد مهدت العلوم الإنسانية الطريق أمام الإنسان للتعرف على الإكراهات والحتميات التي تتحكم فيه ، متقاطعة في ذلك مع بعض التوجهات الفلسفية الحتمية التي تنفي عن الشخص كل مبادرة للفعل الحر . فإذا كانت بعض فلسفات الوعي قد جعلت من الذات سيدة نفسها وأفعالها ، فإن هناك توجهات فلسفية وعلمية ، كشفت على أن الأنا ليس سيد نفسه وأفعاله ولو في عقر منزله الخاص . فكيف يمكن النظر للشخص ؟ هل باعتباره ذاتا حرة ، أم بوصفه كيانا خاضعا لشروط وإكراهات قد تتجاوز إرادته وتحد من حريته ؟ أليس بمقدور الشخص أن يتحدى هذه الشروط و الإكراهات وذلك من خلال نزوعه نحو التحرر وقدرته على الاختيار؟
لقد كشف رائد التحليل النفسي "سيغموند فرويد" (1856ـ 1938) على أن الشخص ليس سيد نفسه وأفعاله ، فالجزء الأكبر من سلوكاته وأفعاله يعود إلى حتميات لاشعورية ترتبط بتاريخ الفرد منذ طفولته المبكرة ؛ وذلك من خلال تفاعل مكونات الجهاز النفسي ، أي: "الهو" ويمثل الميول والدوافع و الغرائز ؛ "الأنا الأعلى" ويمثل القيم والمعايير الاجتماعية التي يتشربها الطفل من محيطه عن طريق التنشئة الاجتماعية، "الأنا" وتقوم بوظيفة تنسيقية بين رغبات "الهو" وإملاءات "الأنا الأعلى" وإكراهات العالم الخارجي . وهذا التفاعل يوضح أن الشخص محكوم بحتميات لا شعورية قد لا يعيها ، وتتجلى في مجموعة من السلوكات اللاواعية ( فلتات اللسان ، زلات القلم ، الأحلام ...) .وفي السياق نفسه ، يأتي موقف "باروخ اسبينوزا" (1632ـ1677 ) ليؤكد على أن الشعور بالحرية أو القول بحرية الفعل مجرد وهم ناتج عن وعي الإنسان بأفعاله وجهله بأسبابها الحقيقية الكامنة وراءها ، ومثال ذلك أن الحجر المتدحرج، يتوهم أنه يتحرك عن حرية واختيار ـ إذا ما افترضناه يتوفر على الوعي ـ في الوقت الذي يجهل العلة الخارجية التي كانت سببا في حركته، وبالمثل فالطفل الرضيع يشتهي الحليب والشاب المنفعل يريد الانتقام أو الهروب، والشخص الثرثار يعتقد أنه حر في أقواله في الوقت الذي يجهل الأسباب الحقيقية الكامنة خلف سلوكه. وعلى خلاف ذلك تقر شخصانية "إيمانويل مونيي" (1905ـ 1950) على أن الشخص كائن حر وهو الذي يقرر مصيره و يتخذ قراراته دون وصاية من أحد فردا كان أو جماعة ، وذلك في إطار مجتمع يكفل لأفراده الحماية والوسائل اللازمة لتطوير ميولاتهم وتنميتها ، بعيدا عن كل نزعة تنميطية وتحكمية لا تؤمن بالاختلاف ؛ فالشخص ليس وسيلة ، كما لا ينبغي أن يقوم أحد مقامه في اتخاذ قراراته، فحرية الشخص مشروطة بوضعه الواقعي .
تأسيسا على ما تقدم ، يتضح أن الوضع البشري يسيج الشخص بجملة من الشروط والإكراهات ، النفسية والاجتماعية والثقافية ؛ والتي قد تتجاوز إرادته . غير أن قدرته على التخطيط لمشاريعه وتحقيق تطلعاته ، لا تنفي قدرته على الفعل و الاختيار...
تمرين تطبيقي
"ما الأنا؟ إن رجلا يقف على النافذة لرؤية العابرين يجعلني أتساءل إذا كنت أمر من هناك وقف ذلك الرجل لرؤيتي أنا؟ الجواب لا، لأنه لا يفكر فيّ أنا بصفة خاصة. لكن بالنسبة لإنسان يحب أحدا لجماله، هل يحبه فعلا؟ الجواب لا، لأن داء الجذري إذ يقضي على الجمال، دون أن يقضي على الشخص، سيقضي على ذلك الحب تماما ؛ وإذا كان هناك من يحبني نظرا لجودة حكمي أو لقوة ذاكرتي، فهل يحبني أنا فعلا ؟ الجواب لا، لأنه يمكن أن أفقد تلك الصفات دون أن أفقد ذاتي. فأين يوجد إذن هذا الأنا ، إذا لم يكن لا في الجسم ولا في النفس؟ ثم كيف نحب الجسم أو النفس، إذا لم يكن بسبب تلك الصفات التي ليست هي الأنا أبدا، لأنها قابلة للزوال؟ وهل يمكن أن نحب بشكل مجرد جوهر نفس شخص مع بعض الصفات البارزة؟ هذا غير ممكن وغير عادل. إننا لا نحب أحدا إذن ، بل نحب فقط صفات معينة"
"بليز باسكال"، خواطر. الفقرة 88، ص:36ـ37

حلل و ناقش

هام : يعتبر هذا الملخص اقتراحا لصيغة أولية تقريبية مساعدة لمفهوم الشخص حسب الكتاب المدرسي "منار الفلسفة"





ثانوية تيفاريتي التأهيلية
من إنجاز الأستاذ:

م.ادريس ابن شريف

avatar
Salah
مدير المنتدى
مدير المنتدى

ذكر

عدد المساهمات : 496
تاريخ التسجيل : 17/08/2009
العمر : 64

http://afaqbouz.forumotion.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مفهوم الشخص في فلسفة جون لوك

مُساهمة من طرف النبراس في 25/1/2010, 01:45

مفهوم الشخص في فلسفة جون لوك
أحمد أغبال




كيف تتحدد هوية الكائن بصفة عامة والهوية الشخصية بصفة خاصة ؟

في كتابه "مقالة في العقل البشري" خصص جون لوك فصلا كاملا لمسألة الهوية الشخصية تحت عنوان "حول الهوية والتنوع". انصب اهتمامه في هذا الفصل على تحديد مفهوم الهوية الشخصية ومفهوم الشخص في ضوء تصوره العام للهوية. واستهل عرضه بالتمييز بين مختلف تحديدات الهوية ومقوماتها بالنظر إلى مختلف أنواع الكائنات الحية وغير الحية، فميز بين هوية الذرة، وهوية الكتلة المؤلفة من الذرات، وهوية الكائن الحي: فكل ذرة تكون هي نفسها في اللحظة الراهنة، وتظل هي هي عبر مرور الزمن. ومن ثمة، لا تطرح هوية الذرة أي إشكال. أما كتل الذرات فإن هوية كل كتلة أو تفردها يتحدد بمكوناتها بصرف النظر عن طريقة تنظيمها. وعلى خلاف ذلك، تتحدد هوية كل كائن حي بناء على تنظيمه الوظيفي. ويتجلى هذا التنظيم بالملموس في كل لحظة من خلال مجموعة من الذرات، ويظل على حاله يؤدي نفس الوظائف مهما تعرضت مكوناته الذرية للتغير؛ وتأتي وظيفة الحفاظ على نفس الحياة واستمرارها في مقدمة تلك الوظائف. وهكذا، فإن ما يحدد هوية الكائن الحي هو تنظيمه الوظيفي وشكل الحياة المرتبط به سواء أكان شجر سنديان أو حصان.

ويرى جون لوك بأن الإنسان حيوان ذو هيئة خاصة مثلما لكل نوع من أنواع الحيوانات هيأته الخاصة. ولكنه لم يرتح لهذا التعريف، وراح يبحث عن تعريف أكثر تلاؤما مع طبيعة الإنسان، وقاده البحث والتقصي إلى التمييز بين مفهوم "الإنسان" ومفهوم "الشخص" من خلال إجراء العديد من التجارب النظرية التي كان الهدف منها هو استبعاد التعريفات غير الملائمة؛ وإليك بعض الأمثلة من هذه التجارب النظرية أو الافتراضية:

لنفترض أن بعضهم قال إن ما يميز الإنسان هو امتلاكه للروح، وأن وجود الروح هو ما يفسر ثبات هوية الفرد من الطفولة إلى الشيخوخة، وتجعله يبقى هو هو في كل مرحلة من مراحل العمر. ولنفترض أنهم يؤمنون بمذهب التناسخ أو التقمص أو التجسد الجديد للروح، فإن تعريفهم يقتضي أن تكون الروح التي سكنت مختلف الأجسام هي نفس الإنسان سواء كان طفلا أو شيخا عجوزا. وإذا كان مذهب التناسخ يقر أيضا بإمكانية انتقال روح الإنسان إلى جسم حيوان كالحمار مثلا، وإذا علمنا أن روح الإنسان تسكن حمارا من حميرنا، فهل يلزم عن ذلك أن ننظر إلى ذلك الحمار على أنه إنسان؟. وفي تجربة أخرى قارن لوك بين ببغاء بتكلم لغة عقلانية وكائن له هيئة إنسان لكنه لا يمتلك القدرة على إنتاج خطاب عقلاني. واستنتج من ذلك أن الخطاب العقلاني ليس الشرط الضروري ولا الشرط الكافي الذي يجعل من الكائن إنسانا، واستبعد أن يكون ذلك الببغاء إنسانا، وأما الكائن ذو الهيئة البشرية الذي يفتقر إلى القدرة على إنتاج خطاب عقلاني فهو إنسان بحكم هيئته. وهكذا، فإذا كان الإنسان حيوانا ذو هيئة خاصة، فما هو الشخص ؟ يقدم النص التالي جواب جون لوك عن هذا السؤال، وهو مقتبس من كتابه An Essay Concerning Human Understanding"مقالة في العقل البشري" (الفقرة 26 من الفصل السابع والعشرين) :

"إن [لفظ] شخص، حسب فهمي له، اسم يطلق على الإنية. فحيثما عثر امرؤ على ما يسميه إنيته، هنالك، على ما أظن، سيقول آخر إنه نفس الشخص. إنه لفظ قانوني، إليه تنسب الأفعال وحسناتها؛ ولا ينسحب بالتالي إلا على كل فاعل عاقل يتمتع بالأهلية القانونية والقدرة على الشعور بالسعادة والتعاسة. إن هذه الشخصية تمتد لتعود بنفسها إلى ما وراء الوجود الراهن، إلى الماضي، بواسطة الوعي وحده، إذ به تصبح معنية ومسئولة، تعترف بما قامت به من أفعال في الماضي وتنسبها إلى نفسها تماما مثلما تتعامل مع أفعالها في الحاضر بناء على نفس الأسس ولنفس الاعتبارات. يرجع الأصل في كل هذه الأفعال إلى الانشغال بالسعادة الذي ينشأ بالضرورة عن الوعي بحيث لا يمكن تفاديه؛ ذلك لأن من يكون على وعي باللذة والألم، سيرغب في أن تكون الذات الواعية سعيدة. وبالتالي، إذا كان من غير الممكن للذات في الزمن الحاضر أن تتقبل أفعال الماضي وتتملكها بواسطة الوعي، فلن تنشغل بها، كما لو أنها لم تنجز شيئا منها. أما وأن تحصل على المتعة أو الألم، أي على المكافأة أو العقاب، جراء تلك الأفعال، فالأمران سيان، ولا فرق بين ذلك وبين أن تكون قد تعرضت لما جعل منها كائنا سعيدا أو شقيا في وجودها الأول [في الماضي]، فلا سيئات هناك على الإطلاق.لأنه إذا افترضنا رجلا يتعرض الآن للعقاب على ما اقترفه في حياة أخرى وجد فيها من غير أن يكون له شيء من الوعي بتاتا، فأي فرق سيكون بين ذلك العقاب وبين كونه خلق بائسا تعسا ؟ ولهذا، وفي انسجام مع ما سبق ذكره، أخبرنا أحد أتباع الرسول أنه في يوم البعث والنشور، عندما "ينال كل امرئ جزاءه على أفعاله، تفتح أسرار القلوب وتنشر بعناية". إن ما سيبرر حكم العقاب هو الوعي الذي سيكون لدى جميع الأشخاص بكونهم نفس الأشخاص الذين قاموا بتلك الأفعال التي استوجبت عقابهم، وذلك مهما كانت الأجسام التي سيبعثون بها، ومهما كانت طبيعة المادة التي يسكنها ذلك الوعي".

إن الشخص، حسب تعريف جون لوك، كائن عاقل مفكر، ويكون على وعي بأنه هو نفسه ذلك الكائن العاقل حيث ما كان وفي أي زمان كان، يعي بأنه هو نفس الشخص الذي قام بفعل معين، ويظل ذلك الفعل لاصقا بهويته ووعيه مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأزمان. إن ما يحدد الهوية الشخصية إذن هو الوعي، فبواسطته تنسب الأفعال إلى الفاعل، وبه تثبت مسؤوليته عليها، وهو الذي يبرر الثواب أو العقاب. ولهذه الاعتبارات جعل جون لوك من مفهوم الشخص أحد المفاهيم القانونية الأساسية، ونظر إلى بعده الجوهري المتمثل في الوعي باعتباره المبدأ الأول الذي تقوم علية الأهلية القانونية والعدالة.

وأما الجسد فإنه لا يؤثر بأي شكل من الأشكال في الهوية الشخصية. لقد فصل جون لوك بين الوعي والجسد حين افترض، في إطار الجدل اللاهوتي-الفلسفي حول مسالة بعث الأجسام الذي كان على أشده في زمانه، إمكانية أن يبعث الإنسان في هيئة غير الهيئة التي كان عليها في الحياة الدنيا، وفي حال ظهر في هيئة جديدة فإنه لابد أن يتحمل مسؤوليته عن أفعاله إذا كان على وعي بأن الشخص الذي يقف أمام المحكمة في العالم الأخروي هو نفس الشخص الذي اقترف الذنوب التي تنسب إليه عندما كان في العالم الدنيوي. هذا هو الحل الذي اقترحه لوك للمعضلة اللاهوتية المتمثلة فيما لو بُعث الإنسان في جسم غير جسمه؛ وكان بعض المفكرين آنذاك قد طرح معضلة من التهمة أحد أكلة اللحوم البشرية، واشتركا في جسم واحد، وسيكون من المستحيل حينئذ أن يبعث شخصان في جسم واحد.

ولحل هذه المعضلة قام لوك بتجربة من تجاربه النظرية، حيث افترض جدلا أن أميرا من الأمراء انتقلت روحه إلى جسد إسكافي وسكنته بأفكارها ومشاعرها وهواجسها الأميرية. وأما روح الإسكافي فكانت قد غادرت جسده. والنتيجة هي أن الأمير سينظر إلى نفسه دائما على أنه أمير مهما كان الجسد الذي استقرت فيه روحه في النهاية. ومعنى ذلك أن الشخص الذي حصل له الوعي بذاته سيظل هو هو مهما تغير الجسم، وسيظل مسئولا عن أفعاله يوم القيامة إن بعث على هيئة غير هيئته الأصلية شريطة أن يكون على وعي بذاته. فالوعي هو أساس المسئولية والشرط الضروري لثبوت الأهلية القانونية والعدالة ومبدأ الثواب والعقاب. إن التمييز بين الإنسان باعتباره كائنا حيا والشخص باعتباره ذاتا مفكرة وتعي بأنها ذات مفكرة هو أساس الحل الذي اقترحه لوك لمسألة تغير الأجسام وثبات الهوية الشخصية ومتر تباتها على المستوى القانوني واللاهوتي.

وخلاصة القول أن انشغال جون لوك بمسألة العدالة هو الذي ساقه إلى صياغة مفهومه للشخص الذي صنفه في قائمة المفاهيم القانونية. ومن هنا يستمد تصوره للشخص قوته وراهنيته. فإذا كان الشخص كائنا عاقلا يعي باستمرار بأنه هو نفس الذات المفكرة في أمكنة وأزمنة مختلفة، فإن هذا الكائن وحده هو الذي يُفَعِّلُ القانون ويجعله قابلا للتطبيق. لأنه عندما يقوم بفعل ما يكون على وعي بأنه سيظل هو نفس الشخص الذي سيجازى أو يعاقب عنه في المستقبل. فإن تعرض للعقاب، يعود بذاكرته إلى الماضي فيدرك أنه هو نفس الشخص الذي اقترف ذلك الفعل في الماضي؛ وهذا الوعي ضروري لقيام العدالة، وبدونه لا يكون للقانون معنى.
avatar
النبراس
مشرف
مشرف

ذكر

عدد المساهمات : 57
تاريخ التسجيل : 20/08/2009
العمر : 53

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى